- الخطب
- /
- ٠1خطب الجمعة
الخطبة الأولى:
الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
البشر بحكم تكوينهم محكومون بقوانين اللذَّة والألم :
أيها الأخوة الكرام ؛ هناك خطب عديدة ، كان محورها كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم من العمل عبادة ، وكيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم من تناول الطعام والشراب معرفة وعبادة ، واليوم محور الخطبة كيف واجه النبي المحن ، وما أكثرها في حياة المسلمين اليوم ، كيف واجه النبي المحن ؟ وكيف اعتمد على الله عز وجل ؟ وكيف التجأ إليه؟ . .
أيها الأخوة الكرام ؛ البشر بحكم فطرتهم ، وأصل تكوينهم محكومون بقوانين اللذَّة والألم ، يضعفون مع المتاعب إلى حدّ الهوان ، ويشتدون مع المنافع إلى حدّ الطغيان ، أما المؤمن فلا يزيغ إذا جاءت المتاعب ، ولا يطغى إذا جاءت المنافع ، بل يظل متماسكاً على حاليه كليهما ، هذه خصيصة المؤمن ، قال تعالى :
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
إذا مسَّه الشر جزوعاً ، ينهار ، يهون ، يستسلم ، يسقط ، يضعف ، يخنع ، وإذا مسَّه الخير يتكبر ، يبخل ، يستعلي ، يتغطرس ، يتجبر إلا المصلين . . المصلون ناجون من هذين المرضين المتناقضين .
أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان ما بقي حياً لن يستريح من الامتحان والابتلاء ، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
إن الله جلت حكمته جعل الدنيا دار التواء ، ولم يجعلها دار استواء ، جعلها منزل ترح ، ولم يجعلها دار فرح ، الآخرة دار الفرح ، الآخرة دار العطاء ، الآخرة دار الإكرام ، الآخرة دار التشريف ، الآخرة دار الراحة ، إن الله جعل الدنيا دار التواء ، ولم يجعلها دار استواء ، جعلها دار ترح ، ولم يجعلها دار فرح ، بحكمته المطلقة ، جعل الحرمان في الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل بلاء الدنيا أيضاً سبباً لعطاء الآخرة ، فالعاقل الحصيف لا يفرح لرخاء ، ولا يحزن لشقاء .
في حياة كل مؤمن مراحل ثلاث :
أيها الأخوة الكرام ؛ ذكرت من قبل أن في حياة المؤمن مراحل ثلاث ، مرحلة التأديب إذا كان هناك معاص ومخالفات ، وهذا التأديب ينتهي إذا انتهى بالتوبة ، وفي حياة المؤمن مرحلة ابتلاء ، إذا كان هناك ضعف وهشاشة في التحمل ، ينتهي هذا الابتلاء عند الثبات ، ولابد في حياة المؤمن من مرحلة إكرام ، هذه المراحل قد تأتي متداخلة ، وقد تأتي متعاقبة .
أيها الأخوة الكرام ؛ طبيعة الآلام تكشف الضعف الإنساني ، تدفع العاقل حيال الألم إلى الوقوف بباب الله ، يطلب العافية ، يرجو رحمة ربه ، يخشى عذابه ، المطلوب من المؤمن أن يلجأ إلى الله في كل ما ينوبه ، لا ينبغي أن يلجأ إلى زيد أو عبيد ، ولا إلى فلان أو علان ؛ لأنهم حتماً سيخيبون ظنه شاؤوا أو كرهوا ؛ لأنهم إذا شاؤوا ألا يخيبوا ظنه يحملهم الله على أن يخيبوا ظنه ، رحمة بهذا الإنسان المشرك الذي اعتمد عليهم من دون الله .
لجوء النبي الكريم إلى الله في كل ما يصيبه :
أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام - وهذا من توجيه النبي - يلجأ إلى الله في كل ما ينوبه ، ولو كان هذا الذي نابه تافهاً ، هل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يلجأ إلى الله في شسع نعله إذا انقطع ؟ كان عليه الصلاة والسلام يقول :
(( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع ))
وشسع النعل رباط الحذاء ، إذا انقطع رباط الحذاء المؤمن يسأل الله عز وجل ، يعد هذا مصيبة تقتضي أن تلجأ إلى الله ، هذا من توجيه النبي عليه الصلاة السلام . . المقصود من ذلك أن يعول المسلم في شؤونه كلها على الله ، أن يكون قريباً من الله ، أن يكون ملتجئاً إليه ، مقبلاً عليه ، واثقاً به ، يرى وجوده ، يرى الله في كل شيء ، يرجوه دائماً ، ولعل هذا الوضع ، وهذه الحال ، تفسر قوله تعالى :
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾
أيها الأخوة الكرام ؛ إذا عظم الخطب ، واشتد المصاب ، كان عليه الصلاة والسلام يفزع إلى الله ، وكان عليه الصلاة والسلام تطول ضراعته ، فعن ثوبان رضي الله عنه :
(( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا راعه شيء قال : هو الله ، الله ربي لا شريك له ))
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم صحابته من الفزع كلمات :
(( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشرّ عباده ، ومن همزات الشياطين أن يحضرون ))
وعن زيد بن ثابت أنه قال :
((شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أرقاً أصابني ، فقال عليه الصلاة والسلام : قل يا زيد : اللهم غارت النجوم ، وهدأت العيون ، وأنت الحي القيوم ، لا تأخذك سنة ولا نوم يا حي يا قيوم أهدئ ليلي وأنم عيني ، قال زيد : فقلتها فأذهب الله عني ما كنت أجد ))
أرأيتم أيها الأخوة كيف أن الخط موصول دائماً بين أصحاب رسول الله وبين الله ، يلجؤون إليه في كل شيء ، وأنا أقول لكم : ما أكثر المصائب والمحن التي تحل بالمسلمين ، أما آن أن يلتجئوا إلى الله ؟ أما آن أن يقبلوا عليه ؟ أما آن أن يصطلحوا معه ؟ أما آن أن يراجعوا حساباتهم ؟ أما آن أن ينفضوا أيديهم ممن سواه ؟ أما آن أن يعدلوا عن خلقه إلى الله عز وجل ؟ . .
((......قل يا زيد : اللهم غارت النجوم ، وهدأت العيون ، وأنت الحي القيوم لا تأخذك سنة ولا نوم ، يا حي يا قيوم أهدئ ليلي وأنم عيني ، قال زيد : فقلتها فأذهب الله عني ما كنت أجد ))
الله بيده كل شيء و إليه يرجع الأمر كله :
الحقيقة الكبرى أيها الأخوة ، والتي لا حقيقة سواها ، ليس في الكون إلا الله ، بيده كل شيء ، بيده ملكوت كل شيء ، إليه يرجع كل شيء ، فإذا عرفته وأقبلت عليه كنت أقوى من كل شيء ، وملكت كل شيء .
أيها الأخوة الكرام ؛ حينما يقف الإنسان من خلال ضعفه أمام ذي العزة والجبروت، فإنه يعود مليء اليدين بالخير . أخوة كثر يزيدون عن المئات ، يؤكدون أنهم حينما أصابتهم محنة ، حينما لجؤوا إلى الله وتضرعوا إليه ، ويئسوا ممن سواه ، وعقدوا الآمال عليه ، أنقذهم ، وأيدهم ، وحفظهم ، ونصرهم ، ورحمهم ، وأكمل نعمه عليهم .
أيها الأخوة الكرام ؛ علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعو الله بأسمائه الحسنى، لذلك جاء في الحديث الشريف : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ))
ألظوا أي الجؤوا .
ولعل يا ذا الجلال والإكرام اسم الله الأعظم ، يا ذا الجلال والإكرام عظيم إلى أعلى درجة ، وكريم إلى أعلى درجة . .
أنت في حياتك اليومية قد تحترم إنساناً ولا تحبه ، تحترمه لتفوقه ، وقد تحب إنساناً وليس في نظرك كبيراً لإحسانه ، لكنك مع الله في وضع آخر ، بقدر ما هو عظيم ، بقدر ما هو كبير ، بقدر ما هو رحيم ، بقدر ما هو محسن ، يقول عليه الصلاة والسلام :
((أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ))
أيها الأخوة الكرام ؛ حينما يحب الله ويختار يسوق لعبده الأحداث التي ترفع القدر وتزيد الأجر ، ويغلب أن تكون جسيمة . الحزن خلاق ، الحرمان يدفع إلى باب الله ، اجعل قوله تعالى شعاراً لك :
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
بدأ النبي عليه الصلاة والسلام حياته يتيماً ، يحتاج إلى كافل ، ولكن الله سبحانه وتعالى آواه إلى رحمته ، بدأ حياته صلى الله عليه وسلم حائراً لا يرى المنهج ، ولا يدري من حكمة الحياة شيئاً ، ولكن الله علمه وهداه ، بدأ حياته صلى الله عليه وسلم فقيراً يكدح ليحيا ، ويضرب في أرجاء الأرض ليصون وجهه وعرضه ، فهداه الله عز وجل وأغناه ، دققوا في قوله تعالى :
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾
لك في النبي الكريم أسوة حسنة .
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾
اختار الله لسيد الخلق وحبيب الحق أن يكون يتيماً ، لكنه آواه ، وكان تائهاً ، كيف يهدي الناس ؟ . . لكن الله هداه ، وكان فقيراً عائلاً لكن الله أغناه ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة ، العبرة ألا نضعف ، تمرُّ أزمات ، وتمرُّ محن ، وتمرُّ مصائب ، لكن المؤمن شامخ كالطود ، واثق برحمة الله ، واثق أن الله معه ، واثق أن الله كل شيء ، وليس في الأرض شيء سواه .
بطولة الإنسان أن ينجح بامتحانات الله في الدنيا :
أيها الأخوة الكرام ؛ نشأ عليه الصلاة والسلام في بيئة أثقلتها الجاهلية بأنواع التخلف ، تخلف الجاهلية فوق كل تصور ، فوضى اجتماعية ، أموال في أيد قليلة ، استعباد لا حدود له ، فوضى جنسية يصعب أن نتصورها ، نشأ عليه الصلاة والسلام في بيئة أثقلتها الجاهلية بأنواع التخلف ، وقد عاف مآثر الجاهلية الجوفاء ، ورفض شرود أهل الكتاب في عصره ، لقد اعتزل بفطرته النقية الناس بعيداً عندهم ، ضائقاً بأحوالهم وأحوال الآخرين ، فهو لا يستطيع أن يسدي لأحد علماً ولا لنفسه ، وجاء الرد الإلهي :
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ* فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾
لا تخلو الحياة من محن ، ولا تخلو من مصائب ، ولا تخلو من ابتلاءات ، يمتحنك الله بالغنى ، ويمتحنك بالفقر ، ويمتحنك بالصحة ، ويمتحنك بالمرض ، يمتحنك بإقبال الدنيا ، ويمتحنك بإدبار الدنيا ، ويمتحنك بتجمع الناس حولك ، وقد يمتحنك بانفضاضهم عنك ، يمتحنك بأسرة ناجحة ، وقد تُمتحن بأولاد يحتاجون إلى عناية بالغة ، كل هذا من امتحانات الله في الدنيا .
ليست البطولة أن تنجو من الامتحان ، ولكن البطولة أن تنجح في الامتحان . . دققوا في هذه الكلمة ، ليست البطولة أن تنجو من الامتحان ولكن البطولة أن تنجح في الامتحان ، أن تقف الموقف الكامل من كل مصيبة ، من كل محنة .
أحياناً شاب في مقتبل الحياة ، في أعلى درجات الفهم والفطنة ، يحمل أعلى الشهادات ، لا يرى أمامه الطريق واضحاً ، لا سبيل إلى شراء بيت ، لا سبيل إلى زواج ، ماذا يفعل ؟ . . له في النبي الكريم أسوة حسنة ، انتظر ، يخلق الله من الضعف قوةً ، ومن الضيق فرجاً ، ومن اليأس تفاؤلاً .
أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان ذو الحسِّ المرهف تشقيه أزمات الفكر والضمير ، قال تعال :
﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾
قال بعض الشعراء :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
***
إنسان تافه محدود الأفق ، إذا حقق دخلاً وفيراً قال على الدنيا السلام ، على الرغم من دخله الوفير هو صغير عند الله ، ولكن المسلم يحمل هموم المسلمين ، لا يقرُّ له قرار إلا إذا كانوا على أحسن حال ، لا يقرُّ له قرار أن يشبع ويجوع الآخرون ، لا يقرُّ له قرار أن يأمن ويخاف الآخرون ، لا يقرُّ له قرار أن يسعد ويشقى الآخرون . . كلما اتسعت دائرة اهتماماتك كلما كبرت عند الله ، وكلما ضاقت دائرة اهتمامك صغرت عند الله .
أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام ذو حسٍّ مرهف ، تشقيه أزمات الفكر والضمير ، لكن الله سبحانه وتعالى يجعل له من كل ضيق فرجاً ، ومن كل همّ مخرجاً ، الآية الكريمة :
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ* فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾
الله تعالى هو القوي و بيده الفرج و النجاح :
الحقيقة إن اليسر يأتي بعد العسر ، لكن الله آثر أن يقول : إن مع العسر يسراً ، ليطمئننا ، هذا العسر الذي تراه أمامك معه اليسر ، معه الفرج ، معه النجاح :
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾
والعسر إذا عُرِّف بأل وتكرر عنى شيئاً واحداً ، أما الكلمة إذا نُكِّرت وتكررت فتعني شيئين . للصائم فرحتان ، فرحة – نكرة- يوم يفطر ، وفرحة يوم يلقى الله ، الفرحة الأولى غير الفرحة الثانية . .
﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾
يحتاج المسلمون اليوم إلى اتصال بالله ، إلى إقبال عليه ، إلى استعانة به ، ولكنْ حقيقة أضعها بين أيديكم ، ما دام المسلمون متلبسين بمعاصٍ كثيرة ، وبمخالفات عديدة ، ليس بيتهم إسلامياً ، وليسوا ملتزمين بالأمر والنهي ، إنهم لا يستطيعون أن يلجؤوا إلى الله ؛ لأنهم في حالة خجل ، إنهم محجوبون بذنوبهم ، إنهم محجوبون بقبائح عيوبهم ، أما إذا تابوا إلى الله توبةً نصوحاً ، واصطلحوا معه أمكنهم أن يلجؤوا إليه ، وأمكنهم أن يتصلوا به ، وأمكنهم أن يستعيذوا به ، وأمكنهم أن يستعينوا به ، وعندئذ يرون العجب العجاب ، يرون أن كل قوى الأرض التي يرونها كبيرة تصبح في أعينهم صغيرة ، والله وحده هو القوي ، هو الكبير ، بيده ملكوت كل شيء ، قال تعالى :
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
ظنَّ أهلها ، كبراؤها ، أقوياؤها أنهم قادرون عليها . .
﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾
لا أمرهم ،
﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾
ما أكثر الآيات الدالة على عظمة الله ، وعلى أنه هو الفعَّال .
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾
هو الذي بيده ملكوت كل شيء .
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
هذا هو الإيمان ، الإيمان هو التوحيد ، أما أن تؤمن أن لهذا الكون خالقاً فهذا يستوي فيه الناس جميعاً ، لا يُعول على هذا الإيمان ؛ لأن هذا الإيمان لا ينكره أحد ، شتان بين أن تؤمن أن الله خلق الكون وبيده كل شيء ، وبين أن تؤمن أن الله خلق الكون وتركه للخلق .
شروط إجابة الدعاء :
أيها الأخوة الكرام ؛ يحضنا ربنا عز وجل في سورة ألم نشرح :
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
يقول الله عز وجل :
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
هذا كلام خالق الأكوان . .
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
من شروط إجابة الدعاء أن تؤمن بالله ، أن تؤمن بوحدانيته ، وأن تؤمن بمحبته لك ، وأن تستجيب له ، عندئذ أنت أقوى الناس .
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
كيفية مواجهة النبي الكريم المحن :
سأعرض عليكم - أيها الأخوة - كيف كان عليه الصلاة والسلام يدعو ربه في المحن ، كان يدعو عليه الصلاة والسلام ويقول :
((اللهم إني أسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والسلامة من كل إثم ، والغنيمة من كل بر ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار))
كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الجوع ؛ لأنه بئس الضجيع . كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من البرص والجذام ، وسيد الأسقام .
((عَنْ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي تَعَوُّذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ ؟ قَالَ : فَأَخَذَ بِكَتِفِي فَقَالَ قُلِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي يَعْنِي فَرْجَه ))
أي يستعيذ بالله أن يصيب هذه الأعضاء الحساسة والأعضاء الفاعلة في حياة الإنسان عطب يعطلها عن وظيفتها . .
((اللهم إني أعوذ بك من شرِّ سمعي ، وشرِّ بصري ، وشرِّ لساني ، وشرِّ قلبي))
وكان يقول عليه الصلاة والسلام :
((اللهم إني أعوذ بك من شر الغنى ))
الغنى له طغيان .
((ومن شر الفقر ))
والفقر قد يؤدي إلى الكفران .
((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ، والبخل والهرم ، وغلبة الدين وقهر الرجال))
((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها))
كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله ويقول :
((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك ، وتحول عافيتك ، وفجأة نقمتك ، وجميع سخطك))
كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله ويقول :
((اللهم إني أعوذ بك من شرِّ ما عملت ، ومن شرِّ ما لم أعمل ))
والإنسان قد يُبتلى بعقاب أليم لذنب لم يفعله .
((كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ . .))
((كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من شر الخلق ، وهم الرزق وسوء الخلق))
((كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق))
كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الفقر ، يقول :
((أعوذ بالله من الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الخوف إلا منك ، وأن أقول زوراً - أن أكذب - وأن أغشى فجوراً - أن أجلس في مكان لا يرضيك مع أُناس عصاة، وأن أتابع شيئاً لا ترضى عنه- أو أكون بك مغروراً ، أعوذ بك من شماتة الأعداء ، ومن خيبة الرجاء ، ومن السلب بعد العطاء))
أعوذ بك من العطب ، والنصب ، ووعثاء السفر ، وسوء المنقلب . أعوذ بك من الزيغ ، والجزع ، والطمع في غير مطمع . أن تطمع بجهة تعلق عليها كل الآمال ، ثم تخيب ظنك . ومن الطمع في غير مطمع . . إذا طمعت بفضل الله فقد طمعت في مطمع ، أما إذا طمعت في عطاء إنسان فقد طمعت بغير مطمع .
كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن .
كان عليه الصلاة والسلام يقول :
((اللهم زدنا ولا تنقصنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا))
الحكمة من الأدعية السابقة :
ماذا يُستفاد من هذه الأدعية ؟ . . هنا بيت القصيد ، كان عليه الصلاة والسلام يكره المرض ، ولاسيما العضال منها ، وكان يؤثر العافية ، وهذه فطرة الله في النفس ، لذلك لا ينبغي لأحد أن يتمنى البلاء ، هذه حقيقة أولى .
كان عليه الصلاة والسلام يرجو السلامة في حواسه وأعضائه ويستعيذ بالله من السقم ، والعجز والهرم ، عُرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان متين البنية ، يهزم المصارعين، يسير المسافات الشاسعة دون إعياء ، أما الضعف ، والشحوب ، وإهمال صحة الجسد ، وعدم العناية بها حتى تُفضي إلى المرض ، فليس هذا من الدين ، هذا من زهاد الهنود وقد وصلتنا إلى بعض الفرق الإسلامية ، ليس من الدين أن تهمل صحة جسدك ، إن جسدك رأس مالك ، والعناية بالجسد من الدين ، إن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يباهي بنا الأمم يوم القيامة ، لا بأجساد هزيلة ، ولا بأناس متواكلين ، ولكن بأشخاص هم أفذاذ ، هم قمم في مجتمعاتهم . من خلال هذه الأدعية كان عليه الصلاة والسلام يكره الفقر والدَّين وشتى الأزمات التي تعكر صفو الإنسان وتذل الناس .
الفقر و الغنى :
لكن أود أن أضع بين أيديكم أن هناك ما يُسمى بفقر الكسل ، وهناك ما يُسمى بفقر القدر ، فقر الكسل وصمة عار في حق الإنسان ، إنه كسول ، إنه مهمل ، إنه مرجئ ، إنه مُسيب ، لا يعتني بعلمه ، لا يهتم به ، لا يضبطه ، لا يسعى إليه ، أما فقر القدر إذا أصاب إنساناً فلحكمة يريدها الله عز وجل ، والمؤمن يحترم أشدّ الاحترام قضاء الله وقدره . و هناك غنى الكفاية ، كان عليه الصلاة والسلام يقول : " اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً " ، يغطي حاجاته ، لا تجعل له رزقاً يطغيه ، اجعل له رزقاً يكفيه ، وشتان بين الكفاية وبين الطغيان . كان عليه الصلاة والسلام يقول :
((بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنىً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال فشرُّ غائب يُنتظر ، أو الساعة ، والساعة أدهى وأمر ))
لذلك كان الدعاء القرآني :
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
الدين حياة :
أضع بين أيديكم هذه الحقيقة ، الناس اليوم لا يحترمون دينك إلا إذا تفوقت في الدنيا ، إلا إذا كنت صانعاً ماهراً ، إلا إذا كنت في علمك في أعلى درجة ، عندئذ تلفتهم إلى دينك ، هذا التفوق من آثار الدين ، الدين حياة ، كان النبي يقول :
(( اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا . .))
الدعاء القرآني :
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
كان يقول عليه الصلاة والسلام :
((اللهم أسألك عيشاً قاراً ، ورزقاً داراً ، وعملاً باراً))
أي عيش فيه قرار ، فيه طمأنينة ، فيه راحة بال ، ورزقاً داراً مستمراً ، وعملاً باراً.
من هذه الأدعية يُستنبط أن بعض الناس يكرهون من فوقهم حسداً ، ويحقرون من دونهم بغياً ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا فقال :
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ))
((ليس منا من لم يجلّ كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه ))
النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد جباراً في الأرض ، ولا قاهراً للعباد ، ولكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يكون موضعاً لاستطالة السفهاء ، وجور المعتدين ، قال تعالى :
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
كان عليه الصلاة والسلام يقول :
((إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي))
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
من خضع لغير الله و ركن إليه فمثله كمثل بيت العنكبوت :
أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل في كتابه الكريم :
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
بيت العنكبوت أوهن بيت على الإطلاق في نص هذه الآية ، قال العلماء : إنَّ تفيد التوكيد ، إن حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد .
﴿ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ ﴾
واللام لبيت لام المزحلقة ، أساسها لام التوكيد ، زُحلقت من اسم إن إلى خبرها ، إذاً هناك توكيدان في الآية :
﴿ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾
ويقول الله عز وجل .
﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾
وهذا التعريف يفيد التخصص ، أي علماء الحشرات وحدهم يعلمون سرَّ هذه الآية .
جاء في بعض التفاسير أن بيت العنكبوت ضعيف ؛ لأنه لا يغني عنها من حرٍّ ، ولا من قرٍّ ، ولا من مطر ، ولا من رياح ، وهو ضعيف لتفاهته ، ولحقارته ، هكذا ورد في بعض التفاسير ، لكن أستاذاً في علم الحشرات ، في كلية العلوم في جامعة القاهرة ، قال في بعض كتبه العلمية .
﴿ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ﴾
في الآية إعجاز عملي ؛ لأن التي تبني البيت هي الأنثى ، جاءت تاء التأنيث .
﴿ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ﴾
قال : الأنثى هي التي تغزل البيت ، هي التي تُرغِّب الذكر بالدخول إلى البيت ، حيث تقوم أمامه بحركات مغرية ، وتسمعه بعض الألحان الطنانة ، فيأوي إلى بيتها ، وبعد التلقيح تأكله ، وتفترسه ، وتأكل أولادها من بعد ، ويأكل أولادها بعضهم بعضاً ، فضعف البيت لا من ضعف بنيته ، بل من ضعف علاقاته الداخلية ، وقد يُجمع الضعفان في ضعف واحد .
أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : العنكبوت الأنثى هي التي تبني البيت ، تغزل البيت، وترغِّب الذكر بالدخول إلى البيت ، وتقوم أمامه بحركات مغرية ، وتسمعه ألحاناً طنانة ، فيأوي إلى بيتها ، ثم بعد التلقيح تفترس الذكر وتأكل بعد ذلك أولادها ، والأولاد يأكلون بعضهم بعضاً ، فهو بيت متداعٍ مفكك ، فضعف البيت يأتي من أين ؟ من ضعف العلاقات فيما بين أفراد الأسرة .
قال بعض خطباء دمشق مستنبطاً استنباطاً لطيفاً : إن الذي يسمح لزوجته أن تطغى عليه ، يخضع لمشيئتها ، ينساق إلى أوامرها .
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾
لأن جنس الحيوان الأنثى فيهم أقوى من الذكر . وقد ورد في بعض الأحاديث : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا ، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))
أيها الأخوة الكرام ؛ ذكرت هذه الآية لأن الله عز وجل حينما قال :
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
المسلمون اليوم في محنتهم مع أعدائهم اليهود ومن وراءهم ، لأنهم اعتمدوا على غير الله ، وركنوا إلى قوى الأرض ، واستسلموا لها :
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .